ابن الأثير

216

أسد الغابة ( دار الفكر )

ولما قتل عثمان اعتزل الفتنة ، ولم يكن مع أحد من الطوائف المتحاربة ، بل لزم بيته ، وأراده [ ( 1 ) ] ابنه عمر وابن أخيه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص أن يدعو إلى نفسه ، بعد قتل عثمان ، فلم يفعل ، وطلب السلامة ، فلما اعتزل طمع فيه معاوية ، وفي عبد اللَّه بن عمر ، وفي محمد بن مسلمة ، فكتب إليهم يدعوهم إلى أن يعينوه على الطلب بدم عثمان ، ويقول : إنكم لا تكفرون ما ما أتيتموه من خذلانه إلا بذلك ، فأجابه كل واحد منهم يرد عليه ما جاء به ، وكتب إليه سعد أبيات شعر : معاوي داؤك الداء العياء * وليس لما تجيء به دواء أيدعوني أبو حسن عليّ * فلم أردد عليه ما يشاء وقلت له : أعطني سيفا بصيرا [ ( 2 ) ] * تميز به العداوة والولاء أتطمع في الّذي أعيا عليّا * على ما قد طمعت به العفاء ليوم منه خير منك حيّا * وميتا أنت للمرء الفداء وروت عنه ابنته عائشة أنه قال : رأيت في المنام ، قبل أن أسلم ، كأني في ظلمة لا أبصر شيئا إذ أضاء لي قمر ، فاتّبعته ، فكأني انظر إلى من سبقني إلى ذلك القمر ، فأنظر إلى زيد بن حارثة ، وإلى علي بن أبي طالب ، وإلى أبى بكر ، وكأني أسألهم : متى انتهيتم إلى ها هنا ؟ قالوا : الساعة ، وبلغني أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يدعو إلى الإسلام مستخفيا ، فلقيته في شعب أجياد [ ( 3 ) ] ، وقد صلى العصر ، فأسلمت ، فما تقدّمنى أحد إلا هم . وروى داود ابن أبي هند ، عن أبي عثمان النهدي أن سعد بن أبي وقاص قال : نزلت هذه الآية فىّ وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً [ ( 4 ) ] قال : كنت رجلا برّا بأمي ، فلما أسلمت قالت : يا سعد ، ما هذا الدين الّذي أحدثت ؟ لتدعن دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعير بي . فقال : لا تفعلي يا أمّه ، فإنّي لا أدع ديني ، قال : فمكثت يوما وليلة لا تأكل ، فأصبحت وقد جهدت ، فقلت : واللَّه لو كانت لك ألف نفس ، فخرجت نفسا نفسا ، ما تركت ديني هذا لشيء . فلما رأت ذلك أكلت وشربت ، فأنزل اللَّه هذه الآية . قال أبو المنهال : سأل عمر بن الخطاب عمرو بن معديكرب عن خبر سعد بن أبي وقاص

--> [ ( 1 ) ] في المطبوعة : وأراد . [ ( 2 ) ] في الأصل والمطبوعة : قصيرا ، والمثبت عن الاستيعاب : 609 . [ ( 3 ) ] أجياد : جبل بمكة . [ ( 4 ) ] لقمان : 15 .